
لا أشعر بارتياح عند وقوفي أمام البحر، و مع ذلك فإنني دائم الإقتراب إليه و مخاطبته،لا أعلم كيف يمكن للمرء التقرّب لمن لا يرتاح إليهم أحيانا، يبدو أن البحر له قدرة مغناطيسية طالما أخافتني و طالما تنبهت لوجودها بعد تمكّنها مني.
هززت راسي يمينا و شمالا كأنني أحاول أن أفرغه من تلك الأفكار ثم نزلت مسرعا إلى بهو الفندق حيث كان زملائي بانتظاري للذهاب برحلة بحرية إلى أرواد.
ركبنا القارب و انتظرنا صافرة الربّان ليعلن لحظة الإنطلاق و كان صوت الصافرة يخبرنا بموعدنا مع المجهول..
كنت مستعد لتلك اللحظات لأنني أدرك خفاياها جيدا،أدرك بأنني سأصاب بحالة صمت،بأنني لن أشارك زملائي الضحك و اللهو و الغناء،بل سأشارك عقلي و نفسي الداخلية الغوص في أعماق تفكيري،كأن الغموض في تفكيري يشبه الغوص في أعماق البحر،هذا ما إكتشفته في رحلتي الأروادية تلك..
كنت أنظر إلى الرغوة البيضاء المالحة التي كانت تلحق بقاربنا نتيجة حركة القارب و تساءلت حينها أيمكننا سباقها أم هي كقدرنا تلحق بنا أينما ذهبنا، ثم تحول نظري إلى مدينة طرطوس و هي تصغر شيء فشيء و تكبر أرواد شيء فشيء كلما اقتربنا منها، أدركت حينها بان رحلتي تلك تشبه رحلة العمر،وجودنا في البحر هو الحاضر و وجودنا في طرطوس كان الماضي الذي يصغر كلما ابتعدنا عنه و مدينة أرواد هي المستقبل الذي يكبر كلما اقتربنا منه..
أي ماض عشناه و أي مستقبل ينتظرنا و أي حاضر نحن فيه..
هكذا يفعل بي البحر دائما، يشعرني بضعفي و قلة حيلتي امام جبروته، و بغرابتي امام غموضه..

