يوليو
29
2006
2

حديث الكستناء ..

ياليتها تعود تلك الأيام..كلمات طالما رددها صديقي لكنها هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، فقد شاركتها الولادة تنهيدة عميقة بدت و كأنه خبأها و عتّقها في داخله لسنوات..كان يشعر مع كل إطلالة مساء بنيران تلك الكلمات تشتعل في خفايا قلبه و تحت ثنايا شرايينه، كان يشعر مع مرور كل يوم بشوق ينزف و حزن لا يندمل لتراكم أيام و شهور يراها قاتلة تتكدس فوق بعضها لتنسيه ذكريات عطش لها نهم لتذكرها دائما.

لم ينسى صديقي بيته القديم و ذكرياته العالقة في كل شبر فيه، في غرفة الجلوس و في غرفة نومه، حتى فراش والدته و مخدتها الريشية لم ينسى رأئحتهما التي كانت تواسيه كلما احتضنهما باكيا..دائما كان يتذمر من بيتهم الجديد الذي إنتقل إليه هو و عائلته على الرغم من قرب المسافة بين البيتين، و كان يصر دوما على تسميته بالجديد رغم مضي سنوات تسع قضاها صديقي في غياهب هذا البيت..كان سبب تذمره الرئيسي تعلقه ببيته القديم و عشقه الغير مسبوق له على الرغم من ضيقه و عدم اتساعه لعائلته .


ربما كان يشعر مع هذا الضيق بحنان و دفء افتقدهما كثيرا.

اعترف صديقي لي بارتكابه أبشع أنواع الجرائم بتركه ذلك البيت و قتله للحظات بات يفتقدها كافتقاد الأم الثكلة لولدها، فقد ربطته بهذا البيت طفولة غنية بذكرياتها و سعادتها تارة و تعاستها تارة أخرى..كانت له حكايا و قصص مع كل شبر فيه، حتى شجرة -الأكيدينية- الممتدة من أسفل العمارة ملامسة شرفة منزله في الطابق الثاني كانت لها معه ذكريات و لحظات حميمية، كان يسميها صديقتي العجوز، لا و مازالت صديقته حتى الآن فهو لم ينساها و لم يعرف يوما طريقا لنسيان صديق.


في ذلك اليوم كنا جالسين في أحد المقاهي نتحدث و نتجاذب اطراف الحديث و كان صديقي كعادته غارق في تفكيره، ثم شدّه فجأة حديث صديقنا الآخر و هو يتكلم عن رغبته في تناول الكستناء المشوية فسقوط الامطار و البرد يذكره بها دائما..تلفت صديقي و رمقنا بنظرة حينها لم أفهم معناها، و من ثم تلفت يمينا متأملا تلك اللوحة التي رسمها سقوط المطر على نافذة المقهى و من ثم غرق في صمت تام..و بعد لحظات و بطريقة إنفعالية عاود صديقي ترديد عبارته الشهيرة للمرة الثانية حتى إنه أيقظني من تفكيري في سر تلك النظرات التي رمانا بها..نظرت له بتعجب لكن ما لبست عيناه ان جعلتني ادرك سبب تنهيدته العميقة، سامح الله صديقنا الآخر، فلحديث الكستناء شجون و آهات طالما حاول صديقي نسيانها أو إغماض شوقه عنها و ربما تخديره.

آه كم أثارت الكستناء شجون صاحبي، فحديثها يذكره ببيته القديم بتلك اللحظات التي كان يعود بها إلى المنزل و قد بللته السماء و ألبسته ثوبا لامعا من دموعها الرقيقة، فيدخل مسرعا إلى غرفة الجلوس ليرمي نفسه في زاويته المفضلة قرب المدفأة فيجفف ملابسه و يشتم رائحة الكستناء التي كانت والدته تحضرها له دائما..كان متيّم بتلك الرائحة لأنها كانت سبب في تجمع أفراد عائلته جميعا حول المدفأة، و هم نادرا ما يجتمعون الآن، يتضاحكون و يتبادلون لحظات كانت تضاهي في دفئها ما تنفثه مدفأتهم من حرارة.

لعل صديقي يتمنى البكاء الآن، فقد مضى على تلك الرائحة تسع سنوات لم يشتم خلالها رائحة الكستناء قط..بيت جديد و نظام تدفئة مركزي و غرف كبيرة و زوايا فارغة لم تشعره إلا بغربة فظيعة و شعور موحش لم يفارقهما منذ تركه لبيته القديم..أخبرني يوما أنه حتى هذه اللحظة لم يألف المكان، يراه كل يوم كأنه يراه لاول مرة، و ينام في غرفته كأنه ينام في غرفة كزائر غريب، كل شبر في هذا المكان موحش و ظالم.


مضت سنوات طويلة حتى إعتاد على زاوية في غرفته يجلس فيها دائما يستمع إلى تلك الآلة التي تطلق في صدا غرفته كلمات و ألحان، و يسرح في خياله و تفكيره إلى ان يصل إلى بيته القديم، فيتذكر كيف كان ينام على الأرض في مكانه المعتاد متفرجا على التلفاذ،كيف كان يوبخه والده دائما لجلوسه على الأرض خوفا عليه من الإصابة بالبرد و الزكام، كان طيلة السنة مصاب بها حتى أنه أخبرني بانها الشيء الوحيد التي رافقته في بيته الجديد..كان يستمع إلى تلك الاغاني عشرات المرات لكنه لم يحفظ كلمة واحدة منها، لأنه كان يسمعها لتكسر حاجز الصمت الموحش في غرفته فيسهل عليه السفر بأفكاره خارج حدود الحزن ليعود إلى أحضان ذكرياته و يسعد بحديثه مع صديقته العجوز مبتسما و هو يتذكر كيف أخبرها مرة بشعوره تجاه صديقته في المدرسة و فتاة احلامه و هو لم يخبر أحد غيرها ببوحه و مشاعره العاطفية..لعلّها كانت كاتمة لأسراره.

في ذات يوم كان لصديقي وقفة صعبة و إمتحان أصعب، كان له موعد مع محبوبته و عشقه الإنتحاري، فقد أرسلته والدته ليوصل بعض الحاجيات لجارتهم في بيتهم القديم، فسرعان ما لب طلب والدته و طارت به أفكاره و تسارعت ألحان قلبه لتعزف له سنفونية اللقاء المرتقب..صعد صديقي السلالم و وقف أمام باب بيت جارتهم المقابل لباب بيتهم القديم، خانته ركبتاه و رجفت يداه، و كادت عينه ان تفعلها لولا أنه تدارك الموقف مع سماعه لصوت جارتهم ترحب به..تأمل صديقي باب بيتهم القديم فوجد معالمه قد تغيرت و كأنه بدى سعيدا غير مكترس به فشعر بشيء من الغضب، متسائلا في قرارة نفسه ترى من سكنك يا بيتي العزيز؟ من استولى على غرفتي و من أصبحت تشاركه الذكريات؟ أيعقل ان تكون قد نسيتني؟ انني فقط من يحتفظ بذكرياتنا سويا؟عاد صديقي مسرعا و لم تكن سوى ساعات لم يشعر بها صاحبي إلا و هو مستيقظ من نومه و قد احمرت عيناه و تصدعت جدران قلبه و باتت لنبضاته همسات اللاصوت و كأن قلبه يعزف إنشودة الموت.

كعادتنا كل مساء اجتمعنا في المقهى لكن هذه اليوم بدا غريبا كغرابة صديقي حتى أنه بات مختلفا فلم يقول كلماته المعهودة، و لم أرى أنين الحزن يخرج من جنباته، تلفت حوله بحذز و كأنه يريد إخبارنا بكلمات ستخرج من دمه لا من فمه و من قلبه لا من عقله و من ثم أخبرنا بأنه هذا المساء قد مسحت نظراته زوايا بيته الجديد التي طالما تحاشى النظر إليها حامدا الله على هذا المكان فقد تذكر صديقي بأنه سيأتي يوما يسكن فيه بيتا موحشا ما بعده وحشة و مكان مظلما ما بعده ظلمة في بيت من تراب لن يشاركه فيه احد.

أيعقل أن يشعر صديقي بتحسن كبير لتذكره القبر. و نشعر نحن بتعاسة و كآبة لتذكر ذلك اليوم العصيب الذي سيطالنا مهما تخفينا و سيدركنا مهما ابتعدنا؟!!..أبعقل ان يكون سر سعادته هو علمه و يقينه بأن ذلك المكان الموحش سينسيه كل تلك الذكريات القاتلة حتى رائحة والدته المفضلة لديه؟

صعب عندما تقتلنا الذكريات التي نقضي عمرنا كله في جمعها، و صعب عندما ننسى ما ستؤول إليه أنفسنا فنتمنى تلك اللحظة التي ستمكننا منها و تساعدنا على قتلها..لقد وجد صديقي سعادته في يقينه بكل ذلك، نظر لنا بعيون لا تخلو من الرضى ثم تركنا في حديثنا و عاود غرقه في أفكاره منتظرا إكتمال تلك اللوحة الماطرة المرسومة على النافذة البلاستيكية

كتب بواسطة Mohammad Online ضمن تصنيف وجدانيّات
يوليو
29
2006
0

خاطرة بحرية

من وراء نافذة غرفتي المطلة على البحر وقفت متاملا ذاك الغموض الذي طالما استوقفني و أصابني بصمت تام يصيب لساني لكنه لا يصيب عقلي و قلبي الذين يتخاطبان فيما بينهما بطريقة لا أألفها كثيرا إلا في مثل هذه اللحظات.

لا أشعر بارتياح عند وقوفي أمام البحر، و مع ذلك فإنني دائم الإقتراب إليه و مخاطبته،لا أعلم كيف يمكن للمرء التقرّب لمن لا يرتاح إليهم أحيانا، يبدو أن البحر له قدرة مغناطيسية طالما أخافتني و طالما تنبهت لوجودها بعد تمكّنها مني.

هززت راسي يمينا و شمالا كأنني أحاول أن أفرغه من تلك الأفكار ثم نزلت مسرعا إلى بهو الفندق حيث كان زملائي بانتظاري للذهاب برحلة بحرية إلى أرواد.

ركبنا القارب و انتظرنا صافرة الربّان ليعلن لحظة الإنطلاق و كان صوت الصافرة يخبرنا بموعدنا مع المجهول..

كنت مستعد لتلك اللحظات لأنني أدرك خفاياها جيدا،أدرك بأنني سأصاب بحالة صمت،بأنني لن أشارك زملائي الضحك و اللهو و الغناء،بل سأشارك عقلي و نفسي الداخلية الغوص في أعماق تفكيري،كأن الغموض في تفكيري يشبه الغوص في أعماق البحر،هذا ما إكتشفته في رحلتي الأروادية تلك..

كنت أنظر إلى الرغوة البيضاء المالحة التي كانت تلحق بقاربنا نتيجة حركة القارب و تساءلت حينها أيمكننا سباقها أم هي كقدرنا تلحق بنا أينما ذهبنا، ثم تحول نظري إلى مدينة طرطوس و هي تصغر شيء فشيء و تكبر أرواد شيء فشيء كلما اقتربنا منها، أدركت حينها بان رحلتي تلك تشبه رحلة العمر،وجودنا في البحر هو الحاضر و وجودنا في طرطوس كان الماضي الذي يصغر كلما ابتعدنا عنه و مدينة أرواد هي المستقبل الذي يكبر كلما اقتربنا منه..

أي ماض عشناه و أي مستقبل ينتظرنا و أي حاضر نحن فيه..

هكذا يفعل بي البحر دائما، يشعرني بضعفي و قلة حيلتي امام جبروته، و بغرابتي امام غموضه..

كتب بواسطة Mohammad Online ضمن تصنيف وجدانيّات

Mohammad Online ?????? Wordpress - ?????? ?? ????? TheBuckmaker.com - ????? ??????? ??????