حاولت مراراً إخباركم تجربتي مع مرض السرطان الذي نال من أبي رحمه الله و أسكنه فسيح جناته ، لكن كلما عزمت أمري و هممت للكتابة كلما زاد توتري و انفعالي و خانتني دموعي ، فأمتنع عن الكتابة و أقول لتبقى تلك التجربة المريرة قابعة في وجداني فحكايتها قد لا تعني أحد سواي .
و منذ قليل جاءني خبر وفاة صديقي و زميلي في عملي السابق في سورية بمرض السرطان عن عمر لا يتعدى الأربعين ، ليحصد هذا المرض من حولي، و يحيي في داخلي تلك التجربة المريرة التي لم أنساها يوم و لا أعتقد بأنها ستنسى .
مشكلة هذا المرض الخبيث يكمن في عدة أمور أهما أنه لا يسبب الآلام للمريض فقط و إنما لمن حوله أيضاً ، لأحبته و أهله ، عندما يشاهدون كيف المريض يذوب أمام أعنيهم كقطعة ثلج في يوم صيفي حار ، دون أن يستطيعون فعل شيء ، أو تأخير تلك القطعة الثلجية من الذوبان قدر المستطاع.
هي تجربة مريرة و بشعة ، تفوق بشاعتها بشاعة الموت و صعوبته ، لأنك كل يوم تموت و تشعر بالموت ، لانك تصبح أنت و الموت زملاء دون رغبة منك ، حينها أنت مجبر على التعايش معه لتصبح أنت و هو أصدقاء !
المشكلة الأكبر في علاج المرض لانه مرض بحد ذاته و كارثة إنسانية بمعنى الكلمة ، فالجرعات الكيماوية تقتل الخلايا الحية في جسم الإنسان سواء المريضة أو السليمة ، فتشاهد آثار تلك الجرعات تظهر على المريض بسرعة كبيرة، تفوق سرعة إدراكك لخطورة المرض !
يرحل عنك آخذاً معه كل شيء إلا تلك التجربة المريرة و ذكريات معتصرة بدموع الأحبة و تأوهات المريض و معطرة برائحة الموت !
لم أقتنع و أنا أرى أبي يذوب أمامي من جراء تلك الجرعات أن الله جعل علاج هذا المرض بهذه الطريقة القاسية ، لابد أن هناك علاج بسيط و عادي لهذا المرض القبيح ، إلا أن الطب و كل ما فيه من تقدم و تطور اليوم ، و العالم بكل ما فيه من تكنولوجيا و إمكانيات و أموال و غزو فضائي ، لم يتوصلوا لعلاج فعّال لهذا المرض.
أتساءل أحياناً كم يدفع سنوياً في العالم للتوصل لعلاج هذا المرض ؟ ما مدى الإهتمام الكبير الذي توليه تلك المؤسسات المرموقة و المعروفة في العالم ؟ هل يصرف عليه كما يصرف اليوم لعلاج إنفلونزة يكفينا غسل يدينا جيداً للقضاء عليها ؟ هل يدفع لعلاج هذا المرض كما يدفع على صناعة الأسلحة و إرسال الأقمار الصناعية و بث قنوات فضائية و إقامة برامج لإكتشاف المواهب الغنائية و التمثيلية و الإباحية ؟ هل تصرف تلك الدول مجتمعة على علاجه ما يدفع على الحفلات الغنائية و بناء المنتجعات السياحية و شراء لاعبي كرة قدم ؟
دعوني أخبركم يا أحبتي و أنا مسؤول أمام الله على كلامي هذا بأن مرض السرطان قريباً سيصيب فرداً واحداً على الأقل في كل عائلة ، شخصياً لا أعرف عائلة واحدة لم يصاب أحد افرادها على الأقل بهذا المرض .
لن أخبركم يمعاناتنا مع تجار الطب في بلدي ، لن أحدثكم عن الأخطاء الطبية الفادحة التي ارتكبت و لن أحدثكم عن تجارة الطب الرائجة و التي يوفق ربحها تجارة الحشيش ، لكن قد أفرد يوماً ما حديثاً مطولاً عن هذا !
نحن أناس مؤمنون و لله الحمد و لولا إيماننا لأصابنا الجنون ، و لأننا مؤمنون فإننا ندرك أن الشيء الوحيد الذي يواسينا في تجاربنا المريرة إدراكنا أن الله ما إبتلانا إلا لأنه أحبنا ، و أن مرض أبي و معناته الطويلة مع المرض هي رحمة له يمحو الله بها سيئاته و يستبدلها بحسنات و دائما ما يرسم الأمل على ملامحي التي أشقتها معاناة أبي هو سماعي حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً ، وَحَطَّ بِهَا خَطِيَّةً ” .
بعد سماعي لهذا الحديث حاولت حصر عدد المرات التي تلقى بها أبي وخزات الإبر في مرضه فلم أستطع حصرها ، فما بالكم آلام المرض نفسه و تداعياته !
رحمك الله يا أبي و رحمك الله يا صديقي و رحمكم الله يا من توفاكم الله بمرض السرطان ، فما ذقتموه و ما ذاقه أهلكم لم يذقه أحد قط .
و للحديث بقية ..